المقريزي
99
المقفى الكبير
إلى من بالعراق من المؤمنين [ 322 ب ] والمسلمين ، سلام عليكم . فلم يقل أحد شيئا . فقال الحجّاج من فوق المنبر : اسكت يا غلام « 1 » ! يا أهل الفرقة ، أيسلّم عليكم أمير المؤمنين ، ثمّ لا تردّون عليه السلام ؟ هذا أدب ابن نهية « 2 » . أما واللّه لأؤدّبنّكم أدبا غير هذا أو لتستيقمنّ على الحقّ ! يا غلام ، اقرأ ! فلمّا بلغ الكاتب إلى « سلام اللّه عليكم » ، قال من في المسجد : وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة اللّه وبركته . ثمّ نزل الحجّاج عن المنبر ودخل منزله ، وقال لوجوه النّاس : ما كانت الولاة قبل تفعل بالعصاة ؟ فقالوا : كانت تضرب وتحبس . فقال : ولكن ليس لهم عندي إلّا السيف . إنّ المسلمين لو لم يغزوا المشركين لغزاهم المشركون ، ولو ساغت المعصية لأهلها ما قتل عدوّ ، ولا جبي فيء ، ولا عزّ دين . [ دفعه الناس إلى حرب الخوارج ] ثمّ جلس لتوجيه الناس ، فقال : قد أمهلتكم ثلاثا . وأقسم باللّه لا يتخلّف أحد بعدها من أهل الثغور إلّا قتلته . فلمّا كان اليوم الثالث قام عمير بن ضابئ ، فقال : أصلح اللّه الأمير . إنّي شيخ كبير زمن ، وقد خرج اسمي في هذا البعث ، ولي ابن أجلد منّي في الأسفار وأقوى على الحرب ، فإن رأى الأمير أن يأمر بإشخاصه مكاني ، فعل . قال : ومن أنت ؟ قال : أنا عمير بن ضابئ . قال : أو من هذا البعث أنت ؟ قال : نعم . قال : أو قبضت عطاءك ؟ قال : نعم . قال : أو سمعت مقالتنا على المنبر ؟ قال : نعم . قال : أو كان أبوك فيمن قاتل أمير المؤمنين عثمان ؟ قال : لا . قال : كذبت ! أوليس أبوك الذي يقول « 3 » [ الطويل ] : هممت ولم أفعل ، وكدت ، وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله ! لعمري إنّ في قتلك أيّها الشيخ لصلاح المصرين ، اضربن يا حرسيّ عنق الشيخ عندك ! فإذا رأيته بين رجليه ، فذلك حيث يقول عبد اللّه بن الزّبير « 4 » الأسديّ [ الطويل ] : أقول لإبراهيم لمّا لقيته * أرى الأمر أمسى مهلكا متشعّبا تجهّز فإمّا أن تزور ابن ضابئ * عميرا ، وإمّا أن تزور المهلّبا هما خطّتا خسف نجاؤك منهما * ركوبك حوليّا من الثّلج أشهبا فما إن أرى الحجّاج يغمد سيفه * مدى الدهر حتى يترك الطفل أشيبا 5 فأضحى ، ولو كانت خراسان دونه * رآها مكان السوق أو هي أقربا
--> ( 1 ) حاشية في الهامش : أكفف يا غلام . ( 2 ) حاشية في الهامش : « ابن نهية رجل كان قبل الحجّاج على شرطة الكوفة أو البصرة . وقيل ابن نهية يعني مصعب بن الزبير ، وكانت . . . سليمة ونهية قبيلة من سليم منها تفرّعت قبائلها ، وردّ هذا أنّ أمّ مصعب كلبيّة » ( جمهرة ابن حزم 111 ) . وهي الرباب بنت أنيف الكلبية ؛ تاريخ بغداد ( 13 / 105 ) . ( 3 ) مروج الذهب ج 3 ص 335 ( وفيه مصادر أخرى ) . ( 4 ) انظر ديوان عبد اللّه بن الزبير ص ص 54 - 55 تحقيق يحيى الجبوري بغداد 1974 .